الوقت الآن
25 تشرين الثاني-نوفمبر 2017
الطقس
إعلانات الجانب
آخر الفديوات
التصويت العام
مارأيك في الموقع..؟

ممتاز..!

جيد..!

يحتاج إلى تعديلات..!

الفيس بوك
حذاري.. من أسر الماضي ! مهدي الدهش

حذاري.. من أسر الماضي ! مهدي الدهش



مثّلت التراكمات عبر التأريخ وتداعياتها، مجالاً خصباً اليوم للكثير من الباحثين في مجاهل التأريخ وما ورائيات الحدث. فالتأريخ ليس مُقتصراً في حدود الوقائع التي يرويها عبر مُدونين ثبّتوا ما جرى من الأحداث والسير الماضية، إنما له حركة تتشابه وحركة أمواج البحر عند السواحل. حيث تخرج لنا من بواطن البحور وعبر الأمواج بين الحين والحين، جملة من مكنونات ما ينطوي عليها البحر من أسرار وخفايا. تُقذف عند الشواطئ بفعل حالة التهيّج البحري والحركة المتكررة لأمواجه. فتُبعث في كل مرة جملة من الأسرار التي تكشف لمن يعثر عليها ما كان مسكوتٌ عنه طيلة الزمن السابق لظهورها. هكذا تجري الأمور مع البحث والتقصّي عن حوادث الدهور السالفة على يد كتاب التأريخ الماضي في الزمن الحاضر.
ففي كل قراءة جديدة لما جرى من سيل الأحداث الغابرة، تتكشّف لنا قضايا لم ينتبه لها المتتبعون فيما سبق. وتخرج لنا عناصر جديدة من المفاهيم تبعث لمن يُطالعها على الشعور بالأمل، وتتقلّص بذلك مساحة النظرة السوداوية لتأريخ مجتمعنا العربي.
هناك دائما حالة من التفاؤل يتطلّب أن تواكب عمليات البحث والتقصّي في كل مجال من مجالات الحياة البشرية. فالعتمة لا تُنتج سوى الظلام، والضياء دائما ما يكون دليل لمن يُريد أن يَهتدي في طلبِ أمرٍ ما. فالسيكولوجية البشرية تتداخل في طياتها حركة خصبة من الأحداث والوقائع، التي حتما ما تكون مثار لجملة واسعة من التساؤلات الآنية/الذاتية أو اللاحقة/المجتمعية. فتتبلور عن تلك الإجابات أيضا جملة جديدة من التساؤلات .. وهكذا دون توقف. هكذا يدور الإنسان دائما في البحث وطلب الإجابات، واللافت للنظر أن بني البشر لا تقنعهم إجابة محددة إلا في حدود الخوف أو التقديس الصامت أو ربما جراء الكلل أو الملل المُرافق لنشاط البحث القائم.
وعند ذاك نجد أن هذه المجموعة البشرية، التي استكانت وبَرُدَ نشاطها، أصبحت حالة جامدة من حيث التأثير في الآخر. ولكنها لقمة سائغة ومجال فسيح لحالة التأثّر بالآخر!. وهي مرحلة ربما لا تنجو منها مجتمعات كثيرة قد ظهرت لسطح الأحداث الأرضية، ومارست أنشطتها الطبيعية وبأدوار مُختلفة. فالعيب ليس أن تكون تلك المجتمعات عند زمن ما جامدة. وإنما هو أن ترضخ لهذه الصفة وتعكف عليها دون إبداء محاولات الخروج أو كسر الجمود المرحلي لها.
ترتحل القراءة للماضي ضمن جملة واسعة من التصورات الذهنية المُنبعثة من صميم واقع المجتمع الذي يعاني حالة من الإختلال المعرفي في زمنه الراهن. وهذا لا ينطلق إلا عبر جملة من المُيقضات المعرفية الصادمة للعقل الجمعي لهذا المجتمع. والتي غالبا ما تكون هي جزء من ميراثه الحضاري المَنسي أو الراكد تحت أطنان من مشاعر الخوف والعصبية أو حالة الإقصاء السلطوي الفارض لوجوده عبر وسائل الخضوع التام، كي يُوفّر لنفسه مدى زمني أطول للبقاء مُتَشبث بالسلطة الزمنية. أو ربما يكون فرط التقديس المُنبعث من جملة أدوات البناء السلبي المُمارس من قبل كهنوت الدين ورجالات السلطة الدنيوية معا.
فاليقضة الدافعة لتأسيس بناء فوقي جديد يؤمن بحركة التواصل الدائم ما بين الحاضر والماضي، غالبا ما يكون لها حزمة عريضة من المواقف الحازمة تجاه ما يجري في الساحة. وهذا مبعثه قوة الإيمان بالضمير الإنساني العام، والرافض لحالة التراخي المتغلغلة بين طيات النفوس القائمة. فتتبلور الفكرة الناهضة بدعائم التبشير المعرفي الناضج، والمجانبة في الوقت نفسه لحالة النكوص التي تدعو لها تيارات النفعية والإنتهازية المُعتاشة على حالة التدهور النفسي والفكري لدى أفراد المجتمع بشكلٍ عام.
هذه العملية يمكن أن تسعى لتأصيل نسق ثقافي عام، يأخذ بتلابيب حالة الهوان الفكري السائدة في المجتمع ويجعل منها مثالا سيء السُمعة، كي تتولد حالة من الإزدراء العام لها، فتُقبل أجيال جديدة على نبذها من خانة الوعي الجمعي، وتطلب تفكيك أيدولوجيات الضَعف، لتولد محلها أفكار ترفض النفسية المُضمحلّة، وتدعو لإيجاد جو نفسي عام يتقبل حالة التجديد الفكري في المجتمع.
ان ولادة النقد الثقافي في محيط العقل الجمعي، يجعل من كل خط سابق من خطوط جوانب البناء الفكري، هدفاً للتهذيب وإعادة البناء من جديد، مُتَجاوزة لفكرة الخوف والضمير الإنتهازي الذي قد يجابهها بأساليب البطش المعهودة. فالمادة جميعها خاضعة للقراءة والتمحيص الجديدين، وتراكم الماضي بلا وعي مرفوض وحالة الأسر في زنزانة الماضوية الشمعية تُصبح بلا جذر أو ساق يمكنها من أن تبقى تترعرع من دون مُنازع جديد يَفرض وجوده واقع التغيير القائم على أسس متينة من الفلسفة النقدية المُعاصرة.
اليوم نحن بحاجة ماسة، وأكثر من أي وقتٍ آخر للعمل بشكل جدي وواعٍ، لحجم المَخاطر المحيطة بأكثر المجتمعات تأخراً من حيث البصمة الثقافية الإقليمية على أقل تقدير. فحالة التَقادم الفكري التي تعاني منها تلك المجتمعات، جعلت منها سوقاً إستهلاكياً مُربحاً، للجوانب المعرفية. فالتَشبّث بما كان من سالف الأزمان وعلامات المكان المُندرس، قد أفضى بشكلٍ خطير بإتجاه بلورة تحجّر عاطفي وتلذذ مَنبوذ وشهوة ميتة، لا تمنح مُعانقيها سوى المراوحة عند خط الشروع الذي تجاوزته مجتمعات عديدة، من خلال منح الذات المحلية حق التأسيس لمُنجز يُواكب الطموح ويؤسس لنظام ثقافي مُتحرّك، يرفض أن يكون نسخة شاحبة من الماضي وبكل ما يحمل من تصورات ذات طابع تأملي أكثر من كونها نظاماً تحررياً للعقل والمنطق الإنساني، عبر مكنونات الضمير البشري المُلازم لجوانب النور المعرفي ذو الطابع التنويري، ومخالفة لحالة التقهقر التي تدفع دائما صوب الرجوع للماضي بلا نقد أو تمحيص.