الوقت الآن
26 ايلول-سبتمبر 2018
الطقس
إعلانات الجانب
آخر الفديوات
التصويت العام
مارأيك في الموقع..؟

ممتاز..!

جيد..!

يحتاج إلى تعديلات..!

الفيس بوك
هل يعي السنة والشيعة والكورد ما نقول؟..

هل يعي السنة والشيعة والكورد ما نقول؟..

العقل العربي ــ الكوردي بين عراقية الرئيس الراحل طالباني والسفير عمر البرزنجي .. قامتان عراقيتا الإنتماء .. كورديتا الهوى .. دوليتا التوجه
بغداد ـ أنباء اليوم / كتب محرر الشؤون السياسية
(الجزء الاول) ..
الراحل جلال الطالباني، أو كما يحلو للكورد والعرب تسميتهُ، بـ (مام جلال)، هو شاعرٌ وكاتبٌ وأديبٌ وصحفي قبل أن يكون مناضلًا عراقيًا وسياسيًا كورديًا بارعًا ودبلوماسيًا محنكًا، وحتى في حياته الإجتماعية كان يعبّرُ عنها بين أصدقائهِ ومحبيه بطرفةٍ نادرة يوظفها بقدرٍ مُحببٍ للنفس حتى أنك حين تتلقى طرفتَهُ يشعرك وكأنها ماسةٌ يشعُ رونقها وبهائها العرب قبل الكورد ..
حين رحل هذا الـ (مام) جلال أو (العم) جلال باللغة العربية إلى الفردوس الأعلى بكاهُ العراقيون بعربهم وكوردهم، ولو قُتل أو إغتيل (المام) غيلةً وغدرًا بحادثٍ مُدبّر ولم يعثروا على جثته فإن العرب وربما الكورد لأومأ أحدهم إلى الآخر ملوحًا بيده إلى السماء: (شوف .. هذاك مام جلال بالقمر .. حي بعده ما ميت) من فرط حبهم وعشقهم له تمامًا كما كان العرب يؤمئون إلى الراحل عبد الكريم قاسم ..
فما هو سر تعلق العرب بالـ (مام) جلال قبل أن يشد الرحال إلى عليين وما قبل الرحيل يا ترى؟ ..
لم يدر في خلدي يومًا ما أن أكتب عن الـ (مام) جلال رغم أنه صديقي الذي أعشقه حد الجنون منذ أن عرفتهُ صحفيًا وشاعرًا وأديبًا ومؤلفًا في عام 1975 في العاصمة اللبنانية بيروت، وبعد ذلك صرنا نلتقي في لندن وبراغ، وهو يقود ببراعةٍ وحنكة عملية الدفاع عن القضية الكوردية في إطار سياسة ناعمة تستهدف بلوغ الشعب الكوردي لحقوقه القومية في إطار دولة عراقية إتحادية على غرار الإتحاد السويسري، كما كان يبوح لي بذلك في كل مرةٍ ألتقيه، ذلك أن ما كان يُكتب عن الـ (مام) جلال بحبر القلم في ذلك العام وما بعده يعادل أطنانًا من الورق، وما قاله وما قالوا عنه عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة الأخرى، قد يغطي صوته وصوت الآخرين مساحة العراق من الهور إلى الجبل ومن فاو العرب الى زاخو الكورد ..
ولم يكن دافع عدم الكتابة عن الـ (مام) جلال بسبب عجز القلم وقطار العمر الذي بدأت عرباته تصدأ بفعل تقادم السنين، لكن اللحظة التي إختارها له الرب الرحيم في أن يكون إلى جواره هي التي حفزت قلمي ليسرد للعرب والكورد ما أعرفه عن الـ (مام) جلال، قد يصنف بعض ما أسرده اليوم في خانة الأسرار، وكان قلمي قد إشتد فيه التحفز حينما بكى ثلةً من أبناء قضاء الحي، أحد توابع محافظة واسط، في ذلك المقهى الذي يملكه الحاج درويش الكوردي، وهم يرقبون مراسم تشييع الـ (مام) جلال في السليمانية، ويترصدون بعيونهم ودموعها صندوق الموت الذي لف بعلم إقليم كوردستان من دون أن يصطف إلى جانبه علم العراق كما كان يتمنى أبناء الحي وربما الـ (المام) جلال ..
وحين ظهرت أولى مشاهد التشييع دفع رواد المقهى بالدومينو وإستكانات الشاي إلى الجانب البعيد من طاولتهم بينما ظلت شفافهم وأيديهم تقبض على السجائر وتنفث دخانها في فضاء المقهى وصوبه البعيد والقريب حتى جفت دموع البعض بينما البعض الآخر راحوا يمسحون دموعهم بأيديهم وأكمام ثيابهم ..
هذا هو مشهد الحزن الذي كنتُ أترقبهُ وأنا أترصد رواد المقهى في ذلك الحي الذي يصفه سكنته بأنه عراقٌ مصغر، إذ يضم كل الطيف العراقي من العرب (الشيعة والسنة) والتركمان والكورد، ممن رحلوا إليه عنوةً وسبى بسبب غباء الحكام وجورهم وظلمهم، وفضل الطيف الكوردي البقاء في القضاء رغم إنفراج أزمة الغباء والجور والظلم ما بعد أحداث التاسع من نيسان من عام 2003 كما كنا نظن ..
ــ لقد مات العقل الكوردي!..
عبارةٌ أطلقها صاحب المقهى الحاج درويش بملئ فمه، فأنتبه له الجميع وهم يحدقون بوجهه وتجاعيده وشعر رأسه ولحيته التي رسم بياضهما ما يعانيه العراقيون من مصائب وويلات ما تزال قائمةً رغم إنجلاء غبار الأزمة، وصار كلُ شيءٍ هادئًا في المقهى حتى صاجات الدومينو هدأت هي الأخرى لكن أحدًا لم ينبر في الرد على ما أطلقه الحاج درويش، فتسللتُ من بين كراسي المقهى الخشبية حتى أمسكتُ بيد الحاج درويش وفركتُ تجاعيدها بشدة ثم قلتُ مستفسرًا:
ــ (حجينا .. كاكا درويش .. ما الذي تقصدهُ بموت العقل الكوردي)؟..
الحاج درويش: (أنا احب مام جلال وأعشقه .. وأنت تعرف ذلك جيدًا)!..
ــ (نعم أعرف ذلك .. ولكن الإجابة منقوصة يا حاج .. أريد تفسيرًا أكثر)!..
الحاج درويش: (أنا اقصد بموت العقل الكوردي موت مام جلال .. أنت صديقه وتعرف ما أقصد أكثر مني)! ..
عند تلك اللحظة عادت ذاكرتي لتتذكر شابًا كورديًا يافعًا كان الـ (المام) جلال قد حدثني عنه ذات مرة، وهذا ما تحدثت به للحاج الكوردي درويش للرد على ما أطلقهُ:
ـــ في عام 1993 كنتُ برفقة الـ (المام) جلال في زاخو إلى جانب بضعة أفراد من قيادات الإتحاد الوطني الكوردستاني، وفي ذلك اليوم الذي لا أتذكره بالتحديد كان الـ (المام) جلال وقيادته على موعدٍ مع الحقوقي والوسيط الكوردي مكرم الطالباني، ولما طال الإنتظار ومن ثم عدم تحقق اللقاء، راح الـ (مام) جلال يتحدث إلى رفاقه عن الوضع السياسي في العراق وتطوراته وسبل حل القضية الكوردية حلًا سلميًا عادلًا، وراح يعود شريط ذاكرته إلى خوالي السنين وأيامها التي مضت والتي بدأ إستذكارها في عام 1971 حين حاول النظام في بغداد إغتيال الراحل ملا مصطفى البارازاني عبر لقائه مع وفدٍ تفاوضي أرسله النظام برئاسة الشيخ الأعظمي لإيجاد حل يقضي بوقف القتال ..
وحين إنتهى الـ (المام) جلال من سرد قصة الإغتيال راح يحذر رفاقه مازحًا:
ــ (هم زين ما اجه مكرم .. جان فجرنا واتخلص صدام منا)! ..
ضحك الجميع، وبينما راح الـ (المام) جلال يبتسم أمسك بيدي وسألني:
ــ (ما رأيك بما سأقوله لك) ..
قال لي :
هل تفضل أن أثقل جيبك بمبلغ من المال تُعين به نفسك وتُعين به أيضًا إخوتك الكورد والعرب والتركمان ممن يعانون شظف العيش في قضاء الحي، أم أنك تفضل السفر معي إلى براغ للقاء مكرم الطالباني هناك؟ ..
فضلت الذهاب معه إلى براغ، وفي براغ وقبل أن يلتقي الوسيط مكرم الطالباني بساعاتٍ قلائل، طرحت عليه سؤالًا سخيفًا، وبعكس ما كنتُ أظن لم يمتعظ الـ (المام) جلال من سؤالي السخيف هذا، وراح يجيب وهو يبتسم ..
كان مفاد السؤال هو :
ــ (سيدي (مام) جلال .. انا اشعر أن وضعك الصحي والسياسي في هذا العام أفضل بكثير في الاعوام الماضية .. ولديّ سؤالٌ يحيرني دائمًا .. سأكون ممتنًا جدًا لو أجبتني عليه .. وسؤالي هو: لديك أبناء تحبهم كثيرًا وهم على درجةٍ عالية من الأخلاق والوطنية، فلماذا لا تُشركهم في الحياة السياسية .. أقصد كأن تصنع من أحدهم نائبًا لكم .. و ..)؟..
قاطعني الـ (المام) بمزحة طريفة :
ــ (ايباه .. لك بابا انتو العرب ليش ما يفتهمون)؟..
ثم راح يجيب موضحًا:
ــ (شوف كاكا .. أنا من مواليد 1933 كما تعرف .. وأكبر منك بسبعة عشر عامًا، وطبقًا للمثل الذي يقول: إللي اكبر منك بيوم أفهم منك بسنة .. هذا واحد .. واثنين كاكا: أنا لا أريد أن أموت قتلًا أو سحلًا كما حصل لحكام بغداد بعضهم البعض بعد قيام الدولة العراقية الحديثة، وإعلم أن سبب قتل أو سحل حكام بغداد إنما يعود لشيءٍ إسمه الدكتاتورية وحكم العوائل والتسلط على رقاب الشعب، وبالتالي نهب خيراته وثرواته تحت عنوان الأنظمة الثورية، وهم معظمهم ولا أقول كلهم، كذابون ومفترون ولا يعيشون إلا على إفتعال الأزمات وصناعة الإقتتال والحروب المنظمة، وهم على هذا الوصف ينصبون أبنائهم أو إخوانهم خلفاء لهم في الدكتاتورية وأنا لا أريد أن أكون واحدًا من هؤلاء، ولا أريد لأولادي أن يكونوا من بعدي مثل أبنائهم مع أنهم وطنيون ومثقفون جدًا، لدينا في الحزب مكتب سياسي هو الذي يقرر من سيكون خليفةً من بعدي.
وأنا كصحفي وطني ومهني ومخلص لوطني وبحكم مهنتي أبحث عن الشخصيات الوطنية والمخلصة والكفوءة وسمعتُ الكثير عن وطنية وروحية وإخلاص أحد سفراء العراق من الإخوة الكورد من خلال أصدقائي في وزارة الخارجية وأولهم الدكتور سامي وترقبتُ الفرصة لتنظيم لقاءٌ معهُ وهو السفير عمر البرزنجي سفير جمهورية العراق لدى الكرسي الرسولي (الفاتيكان)، وقد سنحت هذه الفرصة أثناء مؤتمر السفراء لوزارة خارجيتنا، وزرتهُ في مركز الوزارة وأجريتُ معه لقاءً مطولًا - نشرناهُ سابقًا - ولأهميتهِ نعيدُ نشرهُ مرةً أخرى مع هذا المقال .. فقد لاحظنا أننا نلتقي بنسخةٍ أخرى من مام جلال وهذا ماسمعناه من الكثيرين .. وفي هذا اللقاء عرفتُ أن البرزنجي قد تم إختياره كدبلوماسي وأنه أمضى في عمله هذا ثلاثة عشر عامًا بدأها في عام 2004 ولغاية عام 2009 رئيسًا لدائرة حقوق الإنسان في مركز وزارة الخارجية، وقد حضر في محافل دولية كثيرة في نيويورك وجنيف والقاهرة وماليزيا وإيطاليا وغيرها، وألقى محاضراتٍ عن حقوق الإنسان على مسامع مئات الدبلوماسيين العراقيين في معهد الخدمة الخارجية ممن يحملون شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، ثم سفيرًا للعراق في لبنان لغاية عام 2013، حصل خلالها على وسام الأرز الوطني اللبناني من الرئيس ميشال سليمان .. ومنذ هذا العام ولغاية عام 2015 عُيّن سفيرًا في رومانيا وحصل على جائزة أفضل سفير من قِبل مجلس الشيوخ الروماني، ليعودَ بعد ذلك إلى بغداد وكيلًا لوزارة الخارجية للشؤون القانونية والعلاقات متعددة الأطراف حتى شباط عام 2017 إضافة إلى إشرافه على دوائر القانونية وحقوق الإنسان والمنظمات والقنصلية وشؤون القنصليات والإقتصادية، وحضوره في مؤتمراتٍ دولية مهمة في العالم ومنها إجتماعات القمة التي عقدتها حركة عدم الإنحياز ومؤتمر المناخ وغيرها، وكان مسؤولًا عن ملفاتٍ مهمة تخص الممتلكات والمفقودين بين العراق والكويت، وكثيرًا ما ترأس الوفود العراقية في الكويت لهذا الغرض، وكذلك بين العراق وإيران، وحضر فيها جلسات في جنيف ليستقر به الحال سفيرًا للعراق لدى الكرسي الرسولي (الفاتيكان)، وليتوج بذلك مسيرته الدبلوماسية بأكبر إنجازٍ حققه للشعب العراقي بكل أطيافه، إضافةً إلى مشاركاته المهمة في حوار الأديان والثقافات وإبراز المشتركات الإنسانية بين الإسلام وكل الديانات وبالأخص الديانة المسيحية تمامًا كما كان يتمنى الـ (مام) جلال ..
ولمناسبة حضور السفير عمر البرزنجي إلى إقليم كوردستان لمشاركة شعبنا الكوردي إحتفالاته بأعياد نوروز قصدَ بغداد، وفي بغداد طلب السفير عمر البرزنجي إستضافتي إلى جانب حشدٍ خيّر من العرب والكورد والتركمان، أذكر منهم سفير العراق لدى أوكرانيا بكر الجاف والزميل الصحفي عبدالقادر فاضل مدير وكالة أنباء اليوم الاخبارية .ورئيس الجامعة الوطنية الدكتور شاكر اللاري، والدكتور سامي الجميلي الذي أشرف على ترتيب اللقاء وأدى واجبات ومستلزمات الضيافة في منزله مشكورًا ..
على مائدة الضيافة، راح الكل يتجاذب مع السفير عمر البرزنجي أطراف الحديث في جوانب متعددة منها تلك التي تخص سيرته وحياته لكن الأهم في الحديث كان عن حياة الراحل الـ (مام) جلال ودوره في الحفاظ على وحدة العراق ما بعد عام 2003، وكانت الحصيلة كالتالي:
سؤال/ سعادة السفير .. لنبدأ من النشأة .. من بواكير الحياة الاولى .. وأقصد: البطاقة الشخصية .. وبإختصار لطفًا؟..
جواب: إسمي عمر سيد أحمد البرزنجي، ولدتُ في السليمانية ونشأتُ في كركوك وأكملتُ الابتدائية والثانوية فيها، فيما أكملت دراستي الجامعية في بغداد ثم مارستُ المحاماة في السليمانية ومدنٍ أخرى عديدة للترافع في الدعاوى الموكلة إليّ، ومنذ 2004/7/20 باشرتُ بوظيفتي كسفير في مركز وزارة الخارجية بع صدور المرسوم الجمهوري رقم (4) لتسميتي سفيرًا ضمن أول قائمة بعد عام 2003 وكان عددنا (49) سفيرًا ..
سؤال/ أنتم تجيدون عدة لغات لا نحسدكم عليها .. والسؤال ما أهمية تأثير اللغة في العمل الدبلوماسي؟ ..
جواب: هذا صحيح .. أنا أجيد الفارسية والإنكليزية والهولندية والتركية إضافةً للغتين الكوردية والعربية، وكان حافزي الأول في تعلم اللغات هو الـ (مام) جلال رحمه الله .. وكنت أتمنى أن أجيد لغاتٍ أكثر وأفضل ففي كل لغةٍ أدبياتُها وطريقتها وما أعرفه من لغاتٍ أو ألّمُ بها تساعدني بالمعرفة لإيصال فكرتي ومنها الفكرة السياسة الخاصة ببلدي وهموم شعبي وتأريخه والمظالم التي تعرض لها بسبب ظلم الجائرين إضافةً إلى التطلعات الحالية والمستقبلية لأبناء وطني المفدى، وكيف أننا نريد أن نعيش مع الآخرين بأمن وسلامٍ ورفاهية دون أن نتعدى على أحد أو يتعدى علينا أحد، واللغة بالنسبة لي هي الوسيلة المهمة للتواصل والتعبير والتعارف وبناء العلاقات الطيبة ..
سؤال / كيف تقيّمون أداء الإعلام العراقي ومنه الإعلام الكوردي وهو يتصدى للإعلام المغرض الذي يستهدف العراق أرضا وشعبًا وحضارة؟ ..
جواب : الإعلام العراقي أدى دورًا كبيرًا في كشف زيف الأعداء الذين أرادوا النيل من وحدة العراق وشعبه، وفي هذا السياق أستطيع أن أقول أن الإعلام هو مرآةٌ عاكسة لآمال وتطلعات المجتمع، فإذا كانت المرآة صافيةً ونقية فستنقل الصورة الحقيقية للمجتمع، وهذا هو أملنا بإعلامنا العراقي النزيه، لقد تصرف الإعلام العراقي بمهنيةٍ عالية خاصةً في معارك الشرف والكرامة ضد عصابات داعش ..
سؤال / هل تعتقد أن الثقافة تشكل عنصرًا مُهمًا في قوة المجتمع؟ ..
جواب : من المؤكد أن أحد أهم عناصر قوة المجتمع هو ثقافة أبنائه، وهذا يعني الدخول إلى المجتمع من بوابة الإبداع، وأن ثقافة أي مجتمع تنبع أيضًا من صناعة إعلامٍ حر نزيه يبتعد عن الفبركة الإعلامية ليكون إعلامًا مهنيًا يتصفُ بالصدق والأمانة ونقل الصورة الحقيقية التي تعزز روح المواطنة ..
سؤال / أنت قلتَ في لقاءٍ سابق أنك تأثرت بالراحل جلال الطالباني .. هل يمكن الحديث أكثر عن حياة الراحل؟ ..
جواب : ليس صدفةً إذا قلت أنني أجد نفسي جلال الصغير، فهو أكمل دراسته الثانوية في كركوك ودخل كلية الحقوق وتعلم الصحافة وتولى عددًا من المهام الدبلوماسية التي مَثّل فيها القيادة الكوردية في أنحاء متفرقة من العالم العربي والأجنبي إضافةً إلى كونه سياسي مُحنك، أقول هذا وأنا أيضًا تعلمتُ الحقوق والقانون والتاريخ والأدب والتأليف وكتبتُ الشعر .. بعبارةٍ أخرى كنتُ أجدُ في نفسي جلال الصغير لكن الفرق بيني وبينه هو أنهُ قد إنخرط في العمل السياسي وهو في الثالثة عشرة من عمره، وكان رمزًا للعقل والهدوء الكوردي الذي كان كافيًا لإنتخابه رئيسًا للعراق في عام ٢٠٠٥ بإجماع وقبول كل شركاء العملية السياسية وتأييدهم، وأنا لم أنخرط في العمل السياسي بشكلٍ مباشر بل كنتُ وما زلتُ أعشقهُ وأتفننُ به لبلوغ الهدف .. وهدفي لا أقصدُ بهِ طبعًا الترشح للبرلمان الإتحادي أو برلمان كردستان مثلًا، إنما أقصدُ به الوظيفة أو المنصب الذي يمكنُ بلوغهُ والهدفُ طبعًا خدمة الشعب وتحقيق تطلعاته في الوحدة والعيش بحريةٍ وأمنٍ وسلام بعيدًا عن الفُرقة والتناحر وسياسات الحروب التي أضرت بالشعب العراقي كثيرًا، وأن ألعبَ دورًا أساسيًا في تحقيق المصالحة الوطنية بين كل الأطراف تمامًا كما كان الراحل طالباني يفعل عندما كان رئيسًا للجمهورية، وأن أساهم مثلَهُ في حلحلة الكثير من المشاكل التي يعاني منها فرقاء السياسة في العراق ومنهم الفرقاء الكورد ..
سؤال / ما الذي يمثله لكم رحيل طالباني؟ ..
جواب : عقلٌ عراقي كوردي الهوى .. حارب سياسيًا ودبلوماسيًا بإخلاصٍ منقطع النظير .. هو بصيرٌ بالأمور وحريصٌ على جمع الكلمة ووحدة الصف، وفي هذا السياق أدّى أدوارًا مميزةً في حلحلة الأزمات التي عصفت بالعراق ما بعد سقوط النظام السابق عام 2003 .. وأظن أن العراق بحاجةٍ إلى جلالٍ ثانٍ، أرجو الله العليَّ القدير أن يأخذ بأيدينا لأداء ذات الدور من أجل صُنع عراقٍ ديمقراطي إتحادي يكون العرب والكورد والتركمان فيه وسائر القوميات الأخرى شركاء ينعمون بسلامه وثرواته ..
سؤال / لقد ترك الراحل مام جلال من خلفه ميراثًا مستمرًا لعهدٍ طويل .. كيف تعلقون؟ ..
جواب : نعم .. هذا الكلام صحيح جدًا، فهو حارب بإخلاص طيلة مسيرته النضالية من أجل حقوق وحريات الشعب الكوردي ودافع عنها، وحينما نقول حارب لا نعني أنه حارب الشعب العراقي بل نعني به مقارعته هو والفرقاء الكورد للأنظمة الدكتاتورية التي تعاقبت على حكم العراق وسلبت شعبينّا العربي والكوردي حقوقه وبددت ثرواته في حروب وحصارات طائشة، لذا فأن الميراث الذي تركه الراحل جلال طالباني سيبقى ويستمر لعهد طويل، وما علينا نحن إلا أن نتمسك بالحفاظ على رؤيته ونهجه ليعيش بيننا حيًا ..
سؤال / الشعب العراقي بعربه وكورده وتركمانه ينظر للراحل جلال طالباني بأنه كان بمثابة صمام أمان لوحدة الشعب العراقي بعد تبؤاه لسدة الرئاسة في عام 2005 .. كيف تعلقون؟ ..
جواب : جلال طالباني كان رجلًا وطنيًا حقيقيًا دافع بإستمرار عن مبادئ الفيدرالية ووحدة العراق ووحدة أراضيه وما تحقق للشعب الكوردي في إطار الحكم الفيدرالي، كان كافيًا لأن يكون الجميع في موقف المواطنة الذي إتخذه طالباني منهجًا وعملًا وإكتسب في ظل وجوده أهميةً خاصة في ضوء التطورات الأخيرة التي شهدها إقليم كوردستان ..
إن أغلب دول العالم ثمنت للراحل جلال مساهمته في إعادة علاقات الصداقة بين العراق وهذه الدول، ودفع بها تدريجيًا إلى الأمام في مرحلةٍ تاريخية جديدة، إذ إستطاع خلال السنوات التسع الصعبة في حياة العراقيين القيام بعملٍ كبير من أجل إعادة مؤسسات الدولة التي دُمرت في عام 2003، وذلك مع مراعاة الحقوق المشروعة لجميع المكونات الأثنية والدينية في العراق، لذا فإن مام جلال يُعدُّ بحق أحد أبرز الشخصيات السياسية في العراق الجديد وفي الشرق الأوسط عمومًا التي قادت إلى تعزيز ودعم وحدة العراق أرضًا وشعبًا، فضلًا عن دوره في تمتين أواصر العلاقات الأخوية بين شعب إقليم كوردستان وشعب العراق قاطبة، ودورهُ الكبير في تطوير العمليه السياسية وتحقيق السلم الأهلي ..
سؤال / يكاد أن يجمع العرب والكورد والتركمان على إن الراحل جلال طالباني لم يكن شخصاً محدوداً بجزء واحد من العراق بل كان شخصاً وطنياً لكل العراقيين .. كيف تعلقون؟..
جواب : لم يكن مام جلال ليعترف بالعوائق وهو يحاول صنع عراق اتحادي ديمقراطي آمن، بل كان هو يمثل قوةً للحل في كل الأحيان، ومناقبه تؤشر لنا بشكلٍ واضح أنه لم يكن شخصًا عاديًا، وبقدر ما سعى جاهدًا ومخلصًا من أجل المصالحة بين السنة والشيعة كان يقوم أيضًا بدورٍ أكثر أهميةً حين إضطلع بمهمة إعادة ترتيب السلم الأهلي والمجتمعي وتصحيح العلاقات العراقية مع دول الجوار والمنطقة، لقد كان بحق مكافحًا كبيرًا من أجل أداء هذا الدور، وكان يمارس السياسة بطريقة خلاقة فإستحق بصدق لقب صمام أمان العراق ..
سؤال / في هذه المرحلة المهمة فإن الشعب الكوردي والعراقي يحتاج إلى قائدٍ مثل مام جلال .. ما رأيك؟ ..
جواب : كان جلال الطالباني رحمه الله شخصاً متمرساً، وكان يستشرف المستقبل بشكلٍ جيد، ويقينًا أن شخصية بهذا المستوى كانت ضروريةً للشعب العراقي والكوردي في المرحلة التي عاشها قبل وبعد عام 2003، لذلك فإن وفاته كانت خسارةً كبيرةً لنا جميعًا وللكفاح، ولا يمكن لأحد تجاهل دور مام جلال في إنشاء النظام الفيدرالي في العراق وما تحقق لإقليم كوردستان في هذا المجال ذلك أن مام جلال إستطاع خلال فترة رئاسته للعراق أن يخطو خطواتٍ مهمة لإبعاده عن كوارث كانت يمكن أن تشتد بشكلٍ أكبر لولا حنكتهِ السياسية والدبلوماسية وشجاعته وقيمه الإنسانية النبيلة ..
سؤال / العراقيون بسائر قومياتهم واثنياتهم عاشوا، حياة ومبادئ، رغم قساوة الظروف ما قبل عام 2003 .. والحياة هي القواعد لما هو صواب أو خطأ، والمبادئ تعني صدق الإنسان في كل الممارسات الأخلاقية التي تعرفون .. والسؤال هو : كيف تعلقون عن الحياة والمبادئ ما بعد عام 2003؟ ..
جواب : في عراق ما بعد عام 2003 صارت الحاجة ملحةً جدًا لأخلاقيات مضافة يمكن أن تدمج واجباتنا كعراقيين ليس تجاه بعضنا البعض فحسب وإنما تجاه المجتمع برمته والمحيط الحيوي الذي نعيش فيه، ولابد أن يكون الهدف هنا هو إقامة أخلاقيات شاملة تتسع وتتسع لتشمل كل مناحي الحياة السياسية والإقتصادية والبيئية والإنسانية، مع التأكيد على أنه إن لم يتم التركيز على التبحر في عالم المعرفة والحكمة والإنسانية فإن شيئًا من هذا القبيل لن يتحقق ما لم يخطو النظام السياسي الجديد خطواتٍ مهمة لصناعة دولة إقتصاد متين يقوم على تنمية إجتماعية وصحية وتربوية لسد الفجوة التي حدثت ما قبل عام 2003 وما بعد هذا العام، مثال على ذلك: إذا كان لدينا ثقافتان غير قادرتين على التحاور مع بعضهما البعض، وإذا كان هذا جزءًا من التفكير بأن المستقبل يبدو في موضع إرتياب، فيجب إزاء هذا الحال أن تبني الدولة جسرًا إلي المستقبل من خلال بناء المعرفة والأخلاق كجسرٍ بين الثقافتين، أقول هذا وإن مهمة بناء المعرفة والأخلاق مهمة صعبة لكنها ليست مستحيلة، والسبب طبعًا يكمن في تعدد الثقافات العراقية التي تتوزع بين أطياف الشعب العراقي من عرب وكورد وتركمان وسائر القوميات الأخرى، وكل ما علينا فعله من أجل بلوغ النجاح هو أن نحب لأنفسنا ما نحب لغيرنا، ليتم بالتالي تعزيز وتطوير النظام الجديد الذي يجمع بين المعرفة والمجموعة القيمية للإنسان حينها ستتسع دائرة الأخلاق التي من شأنها أن تجعل العراق مكانًا صالحًا ومكانًا مناسبًا للتنمية الإقتصادية والبشرية، وبالتالي تتضخم لدى الجميع القناعة الفكرية التي مؤداها: أن كل شيء سيكون ذا قيمة إذا إلتزمنا جميعًا بالإعتبارات الأخلاقية وقواعدها ..
وفي سياق ما دونته هنا يبقى السؤال المهم: هل يعي السنة والشيعة والكورد ما نقول؟.. وهل يعي العقل العربي ــ الكوردي عراقيتُه كما كان يعيها الراحل جلال طالباني، وهل سيعمل الجميع بيدٍ واحدة لإيجاد بديل للراحل طالباني، وأن يكون خير خلفٍ لخير سلف في أرض العراق!..
(الجزء الثاني) ــ يتبع