رحيق القصة القصيرة بين المظهر والجوهر ,,

نشر من قبل editor في March 09 2018 21:52:04
رحيق القصة القصيرة بين المظهر والجوهر ,,
التفاصيل


قراءة في قصص "فأوحي لها" للقاصة: دعاء أحمد شكري

رؤية الناقد خالد جودة أحمد /
عند لمحة القارئ الأولي للكتاب القصصي، يلتقي بالعنوان (فأوحي لها)، والذي يمنح عدة دوال، منها معني "الإلهام" وما يمثل من قول الوحي: (ما يلقي في الروح)، وما يستدعي هذا الشأن بداهة من توافر حالة من الصفاء والسلام الداخلي لاستقباله بداهة، ثم إحسان تثمير هذا الوحي الثمين، كما أن الضمير العائد "إليها" يشير أن القصص تبحر في شأن يتصل بالمرأة، إضافة لمعني انثيال المعني في مقولة "لحظة الإضاءة الإبداعية"، وإجتناء الرحيق القصصي.
الملمح الآخر ينصرف إلي عدد القصص والذي يصل إلي عدد (53) قصة في عدد (104) صفحة، أي متوسط القصة لا يزيد عن ورقتين، أي أننا أمام القصة القصيرة جدًا، حيث بعض قصص المجموعة لا تتجاوز السطور القليلة، وهذا النوع الحديث من القصة كما أشار النقد الأدبي يستلزم التكثيف، والتشغيل علي مستوي اللحظة المشتعلة بالأضداد، أو ما يطلق عليه (لحظة الاشتعال)، أو تجلي المفارقة 😊 التحولات) بأوضح صورها، وتأتي المفارقة في قصص المجموعة بجدل المظهر والجوهر، ففي العبارة اللافتة بقصة (عجبي) ذات السبعة أسطر: (ليس كل بريق ظاهر بباطنة حقيقة لامعة)، حيث تروي شخصية القصة بضمير "انا" أنها كانت شغوفة بالرومانسية التي يبديها أحد رواد النادي لزوجته، فغابت هذه الزوجة، فوجدته يصب علي أذنيها أعذب الكلمات، وانه يرديها زوجة ثالثة، حيث زوجته الغائبة كانت الثانية، فشعرت بالحزن وغمزها العقل بمقولة (البريق / الحقيقة)، بالقصة نجد استعمال النقطتان كعلامة ترقيم تشرح فجوات سردية، حيث التشغيل علي لحظة تجسد المفارقة.
وفي قصة (ولد عاق) نجد أن الظاهر أن الزوج يعاني العقم، بينما المفارقة تكمن في جوهره، حيث أنه ليس عقيمًا من تأمل القصة حيث خصوبته في حنانه ورعايته لزوجته عندما داهمها الكابوس حول ولد عاق شر من العقم الظاهر، ومفارقة أخري أن الحلم المزعج بظاهره المؤلم قدم ترياق الرضا النفسي في إهاب أن ما نراه مأساة في حياتنا قد يكون نعمة كبري ونحن لا ندري.
وفي قصة (انبهار) نجد فعل الانبهار يسقط علي المظهر بينما يجري سحق جوهر الرجولة الحقة، ويبدو التعارض المقصود في المعني فالعماليق الثلاثة في القصة يتصفون بقبح الفعال، والسلبية والدناءة، بينما يقبع في مواجهتهم مجموعة أقزام هبطت من سماء النجدة، فيدرك القارئ من هذه المفارقة ان قصدية القصة العكس.
وهكذا نجد دائمًا هذه المفارقة ويتم صوغها في رحاب نفحات من التأمل وإسداء الحكمة أو الخلاصة الناجزة، فلحظة التنوير تتفق مع تلك الخلاصات الحياتية، ففي قصة (ذنب الحب) نجد المعني الأخلاقي ممثلًا في تعبير (عناق القلوب) لا الأجساد، ومغزي القصة تجسد في عنوانها: (حقًا أنه حب ارتكب بلا عمد، لكن لا نجعله بأفعالنا ذنبًا)، وهذه خلاصة قصصية حكمية، عمدت القاصة لتجذيرها بتقنية التكرار (ذنب مغفور إن ظل محظورًا بالقلب)، وهذا عذاب نبيل خاصة أن شخصية الحدث القصصي لا تحيا حياة سعيدة مع زوجها الفظ، وأرى أن هناك تداعيًا امتد في الزمن، رغم أن التعميم بالقصة يجعلها قصة يؤلفها الآخر. وقصة (خيالات) ذاتها تنويعًا علي فكرة أن الحب ليس مصنوعًا وخارق شبكة تغطية الإرادة، وهي حوارية خاطفة بين أستاذ عقلاني يظهر غير ما يبطن ويتعذب باوجاعه وطالبه تناقشه، واتت مفردات القصة معمقة لتظهر جوهر كريم (عفوية / عمق / شفاف / همس) ينفي مظهرًا خادعًا.
كما نجد سمة أسلوبية مستقرة بالقصص حول رفد من المجاز الشاعري، وحيث القصة القصيرة هذا الفن الذي يبدو أكثر اقترابًا من فنون أخري، فتماثل الومضة القصصية الومضة الشعرية في التكثيف والشغل بالاستعارة الفنية، ففي قصة (قيامة العشق) نجد حضور من الأمومة الرومانسية: (قطيعتك لرحم قلبي الذي حملك بأحشائه)، وهذه القصة قدمت إضافة للمجاز، خطاب الذات بوسيلة "الرسالة" المكفنة في ظرفها: (ارتجفت يدها فاضطرب القلم وهذي)، فأحيتها "براءة الطفلة" الناجية من سيارة العشيق الكاذب، ثم زواله نفسه (فصدمته سيارة لوري)، وهنا نري فكرة (القدرية) في القصة وهي ماثلة في الحياة والقصد القصصي الفني هو الفارق لاستعمال القدرية في رحاب القصة القصيرة.
وثنائية (الأمومة / الطفولة) بما تجسده من عطايا الرحيق والبراءة، نجدها ماثلة في أكثر من قصة ففي قصة الافتتاح (عافاك الله) نجد حضور براءة الطفلة ممثلة في حديثها العذب البرئ للأب الخائن: (وارب القدر الباب فتخلل منه نور ضعيف، فأعط الطفلة إشارة بالمرور)، وقبلتها (المسيلة لتأنيب ضمير) الأب فيرجع عن غيه، ليكون السر (يجعل سره في أبرأ خلقه)، ونجد فكرة المظهر والجوهر مجسدة في تعبير (غلاف الحياة) الظاهر، بينما تطوي البيوت علي أسرار عاصفة.
وتمثل قصة (انفجار) فكرة الغلاف الظاهري للأسرة وما يعتريها من تصحر، حيث تقدم القصة صورة ساخرة هن ترهل المحبة ممثلًا في ترهل الجسد وانتفاخ البطن، بعد إهمال تخصيب المحبة بين الزوجين بالرائحة والمظهر والسلوك الحسن: (فنظر إليها منزعجًا ببطنها مترامي الأطراف منتفخًا وكانه ابتلع عشقمها الأكبر)، وأتي التداعي بحيث أن هذه الصورة استدعت توليدًا منها وتركيبًا عليها: (وبغيظ أراد أن يضغط عليه، لعله يفجر معه طاقتها الرومانسية وجمالها اللذين بددتهما المسئولية وخيم عليها الخرس الزوجي)، وا{ي هنا أن القصة استوفت غرضها وكان يجب قولًا واحدًا السكوت، لأن ما آتي تاليًا ككان شرحًا للمشروح في مرحلتي القصة (العشق الحلال / الخرس الزوجي)، إضافة لتأكيد بلاغة المبني فيكون الصمت القصصي تاليًا للخرس الزوجي، فيتفق المبني والمعني جميعًا. وذات الفكرة نجدها في قصة (علي) حيث حديت الأم العراقية الساردة المكلومة تناجي أوجاعها لمقتل فلذة كبدها بقنابل الغادر الأغبر الأمريكي، وكان الوقوف لدي النقاط يعني من وجهة نظر ذائقتي يمثل بلاغة المبني، حيث الموت يمثل سكوتًا، والعبارة الأخيرة كلامًا يفهمه القارئ من السياق.
وقصة (الزهرة) فتقدم الوجه الآخر من مأساة تصحر العاطفة من البيوت، حيث الزوج الغبي (الصحراء السراب)، يعاني من جفا المشاعر، فتحرقها الدموع المكبوتة، بتعبيرات القصة، ويبق لها العزاء، واستعملت القصة مجازصا لفكرة الأمومة: (قبلة قطر الندي المثمرة من رحمها فهي ملاذها ونجدة من رب السماء)
وتأتي البراءة مجسمة في حضور الطبيعة والكائنات البرئية، وصحو الفجر، وقطرات إيمانية، وتقدم جوهرًا رائقًا في مجابهة مظهرصا زائفًا، ففي قصة (دهشة) رسمت العاصفير فوق رأس أنثي كلمة (احذري) يكاد يفتك بها ذئب متحرش، ويتقدم العقل ليقود العصفور بعيدًا عن الشرك.
وتأتي فكرة المشاعر المخبوئة والتي تطل برأسها في الحلم، كثيمة في جانب من قصص المجموعة، وتمثل مفارقة (الحلم الجميل / اليقظة علي الواقع الكابوس)، كما أتت بقصة (عجائب القلب الروعي) والتي تقدم "الحارة – اليوتيبيا"، وفي قصة (مشاعر مكبوتة) نجد اليقظة من حلم جميل أيضًا علي شراسة الواقع، حيث مثل الحد الأول: تجسيد ميثاق المحبة الرقيق: (بصمة إحساسنا ميثاق أقوي من شهادة الحبر علي ورق زواجنا)، ويأتي التعظيم البلاغي بمزج الإيماني بالرومانسي عن لحظة الفجر الطاهرة: (لحظة ساحرة زادت جمالًا بتغريد أصوات ملائكية تؤذن للفجر دوي صداها وملأ نسمات الأجواء)، ثم الحد الثاني وهو شر من الكابوس (يقظة وتخلص)، اما هنا فحلم جميل ويقظة مريرة: (سلب الصحو رداء أحلامي الوردي وتوقف نبضها وليت نبضي توقف).
وقد تنحو القاصة للأمثولة وتجسيد المعني المجرد، ففي قصة (الخندق) نجد ضرورة إعادة القراءة بعد الوصول لخاتمة القصة، حيث آخر كلمة في القصة تشكل مفتاحها، وتقيم القصة حوارًا مريرًا بين قلب صادق وأخري معبأة بروائح مكتومة، وتأتي مفارقة المظهر بتعبير مزع الأقنعة لاكتشاف المخبوء الكاذب خلف أستارها. وفي قصة (محاكمة) نجد الرمزية في جدل (الروح / الجسد) فنجد تلك المحاكمة المعقودة لشوق المحروم: (وادفأت بأنفاسه ثلج حرماني الذي فتت أضلعي)، ومفردة (الفوران) شكلت قوسين للقصة، فالكلمة الأولي (فار)، والأخيرة (الفائر) ليعيد القارئ كشأن قصص أخري قراءة القصة في ضوء مفتاحها الفني.
وهكذا نجد قصصًا يتم التقاط لحظاتها من رحاب المواصلات العامة والحياة الأسرية والأمر العادي الذي يحياه الناس، والتعاطف مع اوجاعهم النابتة من مشكلات اجتماعية، نموذجًا العنوسة، فالشابة بطلة قصة (قبر الخجل) يلح علي عجوز أن تجلس مكانها فلما شكرته، قالت لها أنه تربي أن يقف لتجلس الأمهات فجرحتها كلماته حيث أنها عانس.
والإلماح اليسير السابق في المجموعة يكشف عن شغف بالقصة القصيرة، وادراك أنها سعي لنيل جوهرها المصون من لحظات فارقة في الحياة، وإن كان هناك حشدًا للقصص حشدًا كان يمكن تبليغه القارئ عبر أكثر من مجموعة قصص، لعلها إدارة الحكي التي تريد أن تقول الكثير، وتظل القصص تدور في رحاب حوارًا معقودًا يقدم وصيته الفنية بوجوب الفطنة للجوهر الإنساني الكريم والعمق نحوه نلمس به حياة أجمل وأرقي.